محمد راغب الطباخ الحلبي
122
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
بذلك ولا اعتقدوا هذا الاعتقاد ، فإن الأمور الخارقة للعادة من حيث هي أثبتها التاريخ ورواها على طريق التواتر بحيث لا يمكن ردها ، ومؤرخو الإسلام في مشارق البلاد ومغاربها قد دونوها في تواريخهم التي لا تحصى من قديم الزمن وحديثه ، وكتبهم طافحة بذلك ، ويستحيل أن يتواطأ هؤلاء جميعهم على الكذب ، فلا ريب أن مجموع ذلك يفيد العلم الضروري بوقوع هذه الكرامات وحصول تلك المكاشفات ، فهل يسعنا بعد ذلك أن نقول : إن هؤلاء كلهم كانوا كاذبين أو نحكم على الجميع أنهم كانوا قوما بسطاء ينخدعون بهذه الأوهام ، تاللّه لا يقدم على هذا القول ولا يحكم هذا الحكم الجائر من يجعل التروي رائده والإنصاف هو الحكم الفاصل . إنك إذا تيقنت أن اللّه على كل شيء قدير واستحضرت في قلبك مقدار عظمة اللّه جل جلاله واعتقدت أنه لا يعجزه شيء في عالم الغيب والشهادة ، وأن هذا الإنسان قد انطوى فيه العالم الأكبر ، وأن مظاهره لا تتناهى ولا تقف عند حد لما أودع فيه من جوهر العقل ونور الحكمة ، وأن مزايا البشر بعدد البشر ، هان عليك حصول الأمور الخارقة للعادة من المعجزة والكرامة والإخبار بالمغيبات وسلمت بوقوعها تسليم إيقان . وها نحن نسوق لك في هذا الموضوع ما يأخذ بيدك إلى مهيع الصواب والحق إذا أمعنت النظر وأطلقت للعقل زمام التدبر بعد أن تستخلصه من شائبة هوى النفس والإعجاب بالرأي ، وإذا لم تثب بعد هذه البراهين الواضحة والدلائل الظاهرة إلى سبيل الرشاد ولم تعد إلى الطريق السوي القويم فأنت معاند مكابر ولا كلام لنا مع المعاندين والمكابرين . قال العلامة ابن خلدون في مقدمته في بحث حقيقة النبوة وغير ذلك من مدارك الغيب : إنا نجد في النوع الإنساني أشخاصا يخبرون بالكائنات قبل وقوعها بطبيعة فيهم يتميز بها صنفهم عن سائر الناس ، ولا يرجعون في ذلك إلى صناعة ولا يستدلون عليه بأثر من النجوم ولا من غيرها ، إنما تجد مداركهم في ذلك بمقتضى فطرتهم التي فطروا عليها ، وذلك مثل العرافين والناظرين في الأجسام الشفافة كالمرايا وطساس الماء ، والناظرين في قلوب الحيوانات وأكبادها وعظامها ، وأهل الزجر في الطير والسباع ، وأهل الطرق بالحصى والحبوب من الحنطة والنوى ، وهذه كلها موجودة في عالم الإنسان لا يسع أحد جحدها ولا إنكارها ، وكذلك المجانين يلقى على ألسنتهم كلمات من الغيب فيخبرون بها ، وكذلك النائم والميت لأول موته أو نومه يتكلم بالغيب ، وكذلك أهل الرياضات من المتصوفة لهم